عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

452

اللباب في علوم الكتاب

فأجابهم اللّه تعالى بقوله : « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا » ، وتوجيه هذا الجواب أنّ ما ذكرتم معارضة للنّصّ بالقياس ؛ وهو « 1 » لا يجوز . فصل في دفع شبهة لنفاة القياس تمسّك نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا : لو كان الدّين بالقياس ، لكانت هذه الشبهة لازمة ، فلمّا بطلت ، علمنا أن الدين بالنّصّ لا بالقياس . وفرّق القفّال « 2 » بينهما ، فقال : من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين ، فقد جعل ذات الثّوب مقابلة بالعشرين ، فلمّا حصل التراضي « 3 » على هذا التقابل ، صار كلّ واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما ، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير عوض . أمّا إذا باع العشرة بالعشرة ، فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال : إنّ غرضه هو الإمهال في الأجل ؛ لأن الإمهال ليس إلّا مالا أو شيئا يشار إليه ، حتى يجعله عوضا عن « 4 » العشرة الزائدة ؛ فافترقا . فإن قيل : ما الحكمة في قلب هذه القضية ؟ ومن حقّ القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق ؛ لأن حلّ البيع متفق عليه ، وهم أرادوا قياس الربا عليه ؛ فكان نظم الكلام أن يقال : إنما الرّبا مثل البيع ، فقلبه ، وقال : « إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا » ؟ فالجواب أنّه لم يكن مقصود القوم أن يتمسّكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم « 5 » أنّ البيع والرّبا متماثلان في جميع الوجوه المطلوبة ، فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحلّ ، والآخر بالحرمة ، وعلى هذا التقدير : فأيّهما قدّم ، أو أخّر جاز . قوله : « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ » الظاهر أنه من كلام اللّه تعالى ، أخبر بأنه أحلّ هذا ، وحرّم ذاك ، وعلى هذا ؛ فلا محلّ لهذه الجملة من الإعراب . وقال بعضهم : « هذه الجملة من تتمّة قول الذين يأكلون الربا ، فتكون في محلّ نصب بالقول ؛ عطفا على المقول » وهو بعيد جدا ، لأنّ القائل بأنّ هذا من كلام الكفّار ، لا يتمّ إلّا بإضمار زيادة ، إمّا بأن يحمل ذلك على الاستفهام ؛ على سبيل الإنكار ، أو يحمل ذلك على الرّواية من قول المسلمين ، والإضمار خلاف الأصل ، وعلى الأول لا يحتاج إلى الإضمار ، فكان أولى أيضا فإنّ المسلمين - أبدا - يتمسّكون في جميع مسائل البيع بهذه الآية ، ولو كان ذلك من كلام الكفّار ، لما جاز لهم الاستدلال به . وأيضا ، فقوله بعده : « فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ . . » إلى قوله : « . . . خالدون » يقتضي أنّهم لما تمسّكوا بقولهم : « إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا » فاللّه تعالى قد كشف عن فساد تلك الشّبهة ، وبيّن ضعفها ، فلو لم

--> ( 1 ) في ب : وهذا . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 80 ، ( 3 ) في ب : بالتراخي . ( 4 ) في ب : من . ( 5 ) في ب : يحرضهم .